الثقافة في الجزائر عبر التاريخ
25 سبتمبر 2009 05 شوال 1430 هجري الموافق لـ 25 09 2009 ميلاديإنك حتما تعلم أن للجزائر تاريخا جعل اسمها مثالا للبطولة وشعبها مثالا للرجولة. ذلك التاريخ الذي صنعه أشبالها فكان ولا يزال وسيبقى وسام الفخر لها. لكنك لا تعلم أن لها محطات ومسيرات وأوجه مميزة كثيرة. في هذه الجولة، سنتحدث عن تاريخها الثقافي الذي يعتبر السكوت عن روايته للأجيال الصاعدة جريمة لاتغتفر.
من ما قبل التاريخ إلى نهاية الاحتلال البيزنطي:
يقال:” من لا ماضي له لا حاضر له”. فالجزائر لم تكن على ما هي عليه الآن، بل مرت بمراحل وأشواط جعلتها بلدا مميزا ومتنوع الروافد والمشارب. إن أول من سكن هذه الأرض الطيبة البرابرة بعد إنسان العصر الحجري الذي لم يترك لنا الكثير لنتعرف عليه، سوى بعض المقتنيات الضاربة في القدم. كان تأثر البرابرة كبيرا بالمظاهر الكونية والطبيعية لدرجة أنهم كانوا يعبدونها، وأكدت ذلك الرسومات التي وجدت فيما بعد. وكان الشعب البربري محتكا بجيرانه مؤثرا فيهم، ومثال ذلك علاقاته بسكان مصر، فكلمة “نيل” تشهد على ذلك، لأنها كلمة بربرية تَسمى بها مجرى نهر مصر المشهور. وكان للبربري الفضل الكبير على المجتمع الإفريقي بما أبدعه من أشكال الحروف والخط. وقد أُخذت أشكال أحرفه الأبجدية من المظاهر الكونية والكائنات الحية، وكان عددها لا يتعدى 14 حرفا وتسمى “تيفيناغ”، أما الضوابط والحركات فكانت تسمى “تيدباكين”. وكانت اللغة البربرية تتكون من لهجات وصيغ مختلفة عبر الزمان والمكان.
والبرابرة شعب بحث فوجد، فهو أول من استعمل النحاس وانتفع به.وتغلغلت روح الفن والتقدم الصناعي فيه، وشهدت على ذلك الآثار التي عليها العلماء. دول مثل الدول البربرية لابد وأن لها تاريخ في العلم، لكن اختلاف لهجاتهم وعدم ضبط قواعدها جعل الكتاب لا يقفون على أدب بربري بالمعنى الحديث. أما الفن البربري فتمثل في الزخارف بشكل رئيس، والمدافن أيضا. لقد كون البربر حضارة زاهرة ذات علم وفن اتصلت بالمصريين والفينيقيين والرومان بعلاقات تراوحت بين الحرب والسلم لقرون.
ظهرت بأرض البربر دولة تتسمى بالدولة البونيقية كان لها الفضل الأوفر على العالم لأنها تعد أول من اخترع الأحرف الأبجدية رسما، وهي أول من ابتكر ووضع نظام الأشكال الحسابية. فهي لم تتأثر بالحياة المادية الجارفة، فقد اشتهروا بالمحافظة على مميزاتهم وخصائصهم الجنسية وكل ما يربطهم بحياتهم العامة ومعيشتهم الشريفة، فكان بذلك للحضارة البونيقية أثر كبير في تلك الأوطان. دمر الرومان قرطاجنة البونيقية، وأهدوا ما وجدوا فيها من المكتبات إلى أحلافهم من أهل إفريقيا ولم يبق من هذه الكتب إلا واحد وهو “هتو”.
تظاهرت روما بالعطف للبرابرة فخدعتهم بذلك، وبذلك قضت على الدولة البونيقية، لتحتل أرضهموفكرهم، فقد كان التعليم الروماني إجباريا على أهل البلد. ورغم ذلك فإن الشعب لم ينسى لغة بلاده فبرع فيهما معا.
تميزت روما بحضارة عريقة، ولكن إذا نظرنا جيدا إلى حقيقة هذه الحضارة والثقافة الرومانية وجدناها مقتبسة من الإغريق والفينيقيين، فهي عن تقليد محض، رفعته القوة إلى العالمية. كانت حضارة الرومان في الجزائر شبيهة بحضارة مدينة روما نفسها، فقد أرادت روما جعل الجزائر (نوميديا) رومانية إلى الأبد، وهي مستودعها من القمح والجند. ورغم التأثير الكبير للفينيقيين والرومانيين على البربر إلا أن البرابرة لم يتخلوا عن لغتهم وعاداتهم المتداولة لحد الآن.
الجزائر في ظل الفتوحات والدول الإسلامية:
كانت مدينة تيهرت عاصمة للدولة الرستمية، وعاصمة للعلم والثقافة والفكر والعلوم الرياضية، فقد أنجبت هذه الرقعة الجغرافية عددا من العلماء والأدباء والشعراء والفقهاء، نذكر منهم: عبد الرحمن الذي كان مفسرا وابنه عبد الوهابالذي برز في العلوم الدينية. وقد كانت الدولة الرستمية ذات إشعاع حضاري وفكري وملتقى وفود طلاب العلم من أرجاء البلاد. إلا أن الظروف جعلتها تنتهي بتاريخ 776هـ/909م وقد ضربت خطا عريضا في تاريخ الأمة السياسي والفكري.
ظهرت الدولة الإدريسية بعد الدولة الرستمية بحوالي 14 سنة وكان ذلك عام 311هـ/923م. ولكن لم يكن لحضارتها تأثير كبير في الجزائر كما كان للدولة الرستمية، بسبب بعدها عن مقر الإمارة ودار الملك سوى بعض العمران، كجامع “أكادير” بتلمسان. وقد لمعت في تلك الفترة شخصيات تاريخية جزائرية مثال: الفضل بن سلمى وأبي بكر بن يحيى الوهراني وهود بن محكم الهواري الأوراسي وغيرهم من مشاهير الجزائر في التاريخ.
امتازت الدولة الأغلبية بكثرة الرحلات في طلب العلم، فكان عهد المغرب الإسلامي بها زاهرا، وعرفت الجزائر حينها تطورا كبيرا في الثقافة وظهرت الملكية العلمية عند أهلها آنذاك، وبرعوا في الكثير من الفنون والصناعات. أما الدولة الحمادية فقد بلغت أعلى مراتب الرقي والإزدهار المادي والأدبي. وتلألأ في سمائها عدة أسماء جزائرية كانوا مصدر فخر الجزائر. ولم تتختلف الدولة الموحدية عن الدولتين السابقتين، إذ نهض الموحدون كغيرهم بنشر العلوم الإسلامية وغيرها، وعرفت هذه الدولة ثراءا لم يشهده أحد من قبل، وساعدت على إنشاء مدنية راقية. كما ظهرت في حقبة من الحقب الدولة العبيدية وعملت على نشر الثقافة وخدمة العلم بمختلف الألسن واللغات، فكان لها آثار بأرض الجزائر.
وا امتاز عصر المرابطين باشتداد تعلق أمراء هذه الدولة بأهل الدين، ولقلة أيام مكث المرابطين بالجزائر لم يكن لهم فيها أثر في فن المعمار اللهم إلا ما كان من محلة تلمسان –تاجرارت- والمسجد الجامع بتلمسان الذي أنشأه الأمير علي بن يوسف التاشفين، فقد برعوا في هذا العصر بتأسيس عدة جوامع.
كانت الحياة الثقافية في ظل الحكم العثماني خاصة، حيث كان لبعض الحكام الأتراك أياد بيضاء في تشجيع بناء المساجد والزوايا والمؤسسات التعليمية. ولقد انتشر التعليم حيث كان جل الجزائريين قبل الإحتلال يحسنون القراءة والكتابة. لكن الخلافة العثمانية والعالم الإسلامي بشكل عام أخلدوا إلى الأرض ودخلوا في صراعات جعلت الجزائر تستعمر بعد تحطيم أسطولها البحري في معركة نافارين.
المراجع:
1. رحلات جزائرية، محمد صالح الجابري، دار الغرب الإسلامي - بيروت 2001، الطبعة الألى.
2. تاريخ الجزائر في العصر القديم والحديث، مبارك بن محمد المبلي، دار الكتاب العربي - الجزائر 2007.
3. تاريخ الجزائر العام، عبد الرحمن بن محمد الجيلالي، ديوان المطبوعات الجامعية - الجزائر 1995، الطبعة السابعة.
4. أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر، أبو القاسم سعد الله، دار البصائر - الجزائر 2007، طبعة خاصة.
5. تاريخ الجزائر من ما قبل التاريخ إلى غاية الإستقلال (المراحل الكبرى)، صالح فركوس، دار العلوم للنشر والتوزيع - عنابة 2005.
6. الجزائر في ظل الاحتلال الروماني بحث في منظومة التحكم العسكري - الليمس الموريتاني - المور، محمد البشير شنيتي، ديوان المطبوعات الجامعية - الجزائر 1999.
7. نوميديا من حكم الملك جايا إلى بداية الاحتلال الروماني 213ق.م - 46ق.م، فتيحة فرحاتي، أبيك منشورات - الجزائر 2007.
8. دراسات في تاريخ المغرب الإسلامي، عز الدين عمر أحمد موسى، دار الشروق - بيروت 1403هـ / 1983م، الطبعة الأولى.
9. الجزائر في عيون الرحالة الإنجليز، عبد الله ركيبي، دار الحكمة - الجزائر 1999.

